محمد بن جرير الطبري

366

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فسقط في خلده ساعة ثم إن نفسه راجعته ، فقال له : اسمع منى ، وصدق مقالتي ، فوالله لا أكذبك ، والله الذي لا اله غيره ما دعوته إلى منزلي ، ولا علمت بشيء من امره ، حتى رايته جالسا على بابى ، فسألني النزول على ، فاستحييت من رده ، ودخلني من ذلك ذمام ، فأدخلته دارى وضفته وآويته ، وقد كان من امره الذي بلغك ، فان شئت أعطيت الان موثقا مغلظا وما تطمئن اليه الا ابغيك سوءا ، وان شئت أعطيتك رهينه تكون في يدك حتى آتيك ، وانطلق اليه فأمره ان يخرج من دارى إلى حيث شاء من الأرض ، فأخرج من ذمامه وجواره ، فقال : لا والله لا تفارقني ابدا حتى تأتيني به ، فقال : لا ، والله لا أجيئك ابدا ، انا أجيئك بضيفي تقتله ! قال : والله لتأتيني به ، قال : والله لا آتيك به . فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي - وليس بالكوفة شامي ولا بصرى غيره - فقال : اصلح الله الأمير ! خلنى وإياه حتى أكلمه ، لما رأى لجاجته وتابيه على ابن زياد ان يدفع اليه مسلما ، فقال لهانئ : قم إلى هاهنا حتى أكلمك ، فقام فخلا به ناحية من ابن زياد ، وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما ، إذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان ، وإذا خفضا خفى عليه ما يقولان ، فقال له مسلم : يا هانئ ، انى أنشدك الله ان تقتل نفسك ، وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك ! فوالله انى لانفس بك عن القتل ، وهو يرى أن عشيرته ستحرك في شانه ان هذا الرجل ابن عم القوم ، وليسوا قاتليه ولا ضائريه ، فادفعه اليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاه ولا منقصه ، انما تدفعه إلى السلطان ، قال : بلى ، والله ان على في ذلك للخزي والعار ، انا ادفع جارى وضيفي وانا حي صحيح اسمع وأرى ، شديد الساعد ، كثير الأعوان ! والله لو لم أكن الا واحدا ليس لي ناصر لم ادفعه حتى أموت دونه . فاخذ يناشده وهو يقول : والله لا ادفعه اليه ابدا ، فسمع ابن زياد ذلك ، فقال : ادنوه منى ، فأدنوه منه ، فقال : والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك ،